لماذا ينتحر الأردنيون ؟

اصبحت معدلات الانتحار في الاردن، تصل الى حد غير معقول ويثير القلق والريبة ، حيث انه ومنذ بداية العام الجاري سجلت اكثر من 100 حادثة ما بين المحاولة وبين تنفيذ الانتحار ، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي والذي سجل وقوع 120 حالة خلال العام بأكمله ، وعند النظر الى ان من اقدم على هذا الفعل ، فأننا نجد لائحة تضم مجموعة من الشباب والمتقدمين في العمر من كلا الجنسين، ومن طبقات اجتماعية مختلفة.

وعلى الرغم من القوانين المنصوص عليها دستورياً في هذا الشأن بالاردن ، الا ان "الانتحار" بحذ ذاته يقف وراءه دوافع مختلفة وليست ثابتة ومحددة في امر معين ، الا انه وفي المجمل ، ان الاقدام على هذا الفعل المميت يعود لأسباب كامنة تقف وراء هذا السلوك العدواني والذي يقع ضمن دوافع مختلفة منها ما هو فردي ومنها ما هو مجتمعي .

أخصائي علم الاجتماع والارشاد النفسي الدكتور محمد منصور ، قال  ان فعل الانتحار بغض النظر عن دوافعه والاقدام عليه، يُعد من أبشع الممارسات التي يقوم بها الإنسان ويعد اعتداءً واضحاً وصريحاً على حق مقدس من حقوق الإنسان وهو حقه في الحياة، إذ بات حلاً سريعاً ومستسهلاً للخلاص من المشكلات، وذلك نتيجة قصور في تطبيق الأنظمة والقوانين والتشريعات.

واضاف الدكتور منصور ، ان فعل الانتحار يعادل مبدأ الجريمة ، الى ان الفرق بينهما ، ان الجريمة يوجد قاتل وضحية كل منهما مختلف عن الآخر ، اما الانتحار فالقاتل والضحية واحد ، لافتاً الى أن ابرز الأسباب والدوافع للاقدام على الانتحار يعود لأسباب مجتمعية بالدرجة الاولى اثر وجود لخلافات شخصية او مالية وتختلف بحسب الموقع الجغرافي والطبيعة السكانية للفاعل، اضافة الى وجود عوامل البطالة وعدم إشغال أوقات الفراغ لدى هؤلاء وانتشار المخدرات وتعاطيها والإدمان على المُسكرات .

وأوضح منصور ، ان معدل جرائم الانتحار قد اصبحت في ازدياد خلال السنوات الأخيرة الماضية ، وذلك جراء الخلل المجتمعي الذي أصاب العائلة الاردنية الواحدة ، اذ ان التفكك الأسري أصبح منتشراً وملحوظاً في الآونة الاخيرة ، والذي يكون بإنفصال الوالدين او في استمرارية المشاكل بينهما وهو الأمر الذي سيؤدي الى اصابة الطفل او المراهق او الشاب بما يسمى بــ"النزعة العصبية" ، في الوقت الذي يجب فيه على الأب والأم ان يكون متمتعاً بالسلوكيات الايجابية العقلانية الى جانب التعليم المستمر لأفراد الاسرة للنجاح في "التنشئة الاجتماعية" السليمة والصحيحة ، وذلك عن طريق تعليم الابناء "المفاهيم الايجابية" لكي يتمتعوا بالثقة ويبتعدوا كل البعد عن الغضب والتقليد الاعمى ولنبذ العصبية والكراهية في سلوكياتهم الحياتية والمجتمعية .

وأشار الى أن نقص الوازع الأخلاقي والديني وضعف المنظومة الأخلاقية والقيمية لهذه الفئة جعلها غير قادرة على التعامل مع الحياة اليومية بالعقل والصبر والتريث ، واللجوء الى العنف الإجرام والقتل، وان التعاليم الدينية قد حذرت ووضعت عقوبات رادعة للشخص الذي يرتكب أي اعتداء بغض النظر على السبب والنوع والطريقة ، وذلك لمنع التفكير من قبل اي شخص بارتكاب مثل هذه الجرائم، الا أن المنتحر " بغض النظر عن جنسه وعمره" قد يكون بالأغلب من عائلة متفككة ووضعه الاقتصادي سيئ وتحت وطأة البطالة والفقر ومحاط بضغوط اجتماعية قاهرة ، وبالتالي عندما تجتمع كل هذه الأسباب تجعل التفكير المتوازن مفقود وغير مدرك لأي تصرف يقوم به .

ونوه منصور الى ندرة الاوعية الاخبارية والبرامجية التي تساعد على التثقيف المجتمعي والقانوني لدى افراد المجتمع الاردني ، وتنمية الوعي بمخاطر جرائم الانتحار وأضرارها ،والتي ستساهم بدورها في تحصين افراد المجتمع وخصوصاً فئات الشباب من الوقوع في تلك الجرائم ، داعياً الجهات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة للاهتمام بهذا الجانب .

من جهة أخرى ، بين مواطنون ، ان السبب الأساسي لوقوع جرائم الانتحار وخاصة ما شهدته المملكة من حوادث اجرامية تمثلت في وقوع 5 محاولات تم اخفاقها، فانه من المؤكد انها تعود الى تردي المستوى المعيشي للفرد في المجتمع الاردني ، اضافة الى تفشي ظاهرة البطالة ،وان هناك مئات الشباب القابعين في الشوارع دون عمل.

وأضاف المواطنون ، ان رب الاسرة لم يعد بمقدوره تأمين لقمة العيش لاسرته وأطفاله ، وهو الامر الذي سيخلق حالة من القهر والظلم في داخله ، لافتين الى ان هذه الحالة ان اجتمعت مع ضعف الوازع الديني فانها ستؤدي الى وقوع المزيد من حالات الانتحار او الى ارتكاب الجرائم بمختلف انواعها .

وشدد المواطنون على ضرورة اتخاذ اجراءات وقائية للحد من ظواهر العنف في المجتمع، والتي من شأنها ان تعزز الوازع الديني والتأكيد اهمية التنشئة الاجتماعية السلمية، والعمل على تفعيل القوانين والأنظمة والتشريعات الرادعة ، اضافة الى العمل من قبل الجهات المعنية على تحصين الشباب وتأهيلهم وتدريبهم في المدارس والجامعات، لقتل الفراغ الروحي الذي يعيشونه ، على اعتبار أن قطاع الشباب هو الأكثر عرضة للوقوع في الجرائم والمشاكل ،وباعتبار تلك المرحلة أخطر مرحلة في عمر الإنسان.

بدوره ، اكد مصدر امني ان معظم الاسباب والدوافع المؤدية لجرائم الانتحار تعود بالنهاية لاسباب مجتمعية اي في سياق عائلي او مالي او شخصي ونتيجة للمشاجرات ولسوء التقدير في التعامل مع المشكلات التي تقف أمامهم .

وأضاف المصدر ، ان الاردن شهد خلال الاسبوع الجاري 6 محاولات للاقدام على الانتحار،وهو امر بات أشبه " بالحلم المزعج " ، فلم يعتد مجتمعنا الاردني على مثل هكذا جرائم في اسبوع واحد ، ومهما كانت الظروف التي اوصلت (بالمنتحر / المنتحرة) لارتكاب هذا الفعل المخزي ، فإن القانون والعقوبة ستطبق ، لتكون رادعاً للغير .

وطالب المصدر المؤسسات التعليمية والممثلة بأولياء الامور والمدارس والجامعات بالتعاون مع الجهات الامنية ، باتخاذ التدابير الوقائية للحد من توسع دائرة العنف من خلال تفعيل دور المرشدين الاجتماعيين وايجاد جسور تواصل بين مابين الاسرة والمدرسة لايجاد الحلول الملائمة لمسببات العنف والدافع السلبية لذلك.