حتى يتحقق التوازن السياسي دون تجاوز الواقع
سيعبر الاردن بوابة الاصلاح السياسي عندما يجتاز مرحلة الانتخابات القادمة, وسنعبر الانتخابات القادمة بسلام عندما نتفق على الحد الادنى من التوافق الوطني على قانون الانتخاب ونظام الدوائر الانتخابية.
المشروع الذي قدمته الحكومة للبرلمان شكل مقترحاً رسم معالم التصور الحكومي واجهزة الدولة المعنية للحد الادنى الممكن المقبول حكومياً من الاصلاح الآمن في هذه المرحلة, مع الانفتاح على مزيد من التحسين, أي ضمان العبور الآمن الى الانتخابات القادمة بدون مفاجآت تخل بتوازن النظام السياسي أو تسبب هزّات اجتماعية غير ضرورية.
لقد جاء مقترح القائمة الحزبية في مشروع القانون لزيادة حصة الاحزاب في البرلمان دون الاضرار بتمثيل وحقوق المكونات الاجتماعية الاخرى, التي لا يمكن تهميشها أو تجاهلها سواء في هذه المرحلة أو المراحل التي سيتجذر فيها العمل الحزبي والديمقراطي في المستقبل.
كافة الاطراف تتحدث عن التوازن الذي يحقق الامال والطموحات الوطنية ولكل جهة مفهومها الخاص للتوازن, فالاحزاب تتحدث عن التوازن الذي يضمن سيطرتها المسبقة والمضمونة في مجلس النواب وفي القرار السياسي وصولا الى تقليص صلاحيات مؤسسة العرش في مرحلة قادمة لتصبح الاحزاب التي تشكّل اقل من خمسة بالمئة من حجم الكتلة الانتخابية المرجعية الوحيدة في العمل السياسي تحت عنوان ان هذه الاحزاب خيار الشعب وصاحبة السلطة المستمدة منه.
وهدف الاحزاب الاول ايجاد صيغة تحرر الاصوات المؤيدة لها في التجمعات السكانية الكبرى في المدن وكذلك اصوات بعض الفئات الاجتماعية في المناطق التي ترى ان التقسيم المناطقي الضيق قد همش دورها وفرض عليها التنافس مع العشائر في اطار ضيق لتصبح بمجموعها قوة الدعم الانتخابي الكبرى للاحزاب، وبخاصة جبهة العمل الاسلامي.
ويقوم مفهوم التوازن في الدولة واجهزتها على العودة لتوسيع التمثيل في المحافظات من خلال دوائر اكبر حجماً تتيح التنافس بين المكونات الاجتماعية والحزبية على حد سواء دون ان يُحابي القانون اي مكون سياسي على حساب غيره، فالمجتمع الاردني لن يتغير بين يوم وليلة وكذلك الاحزاب فلن تتطور قدراتها ومساحة انتشارها بمجرد صدور القانون والقصد من ايجاد قائمة للاحزاب ليس لالغاء او الانتقاص من حقوق المكونات الاجتماعية الاخرى في الساحة الاردنية وانما لضمان حضور حزبي اكبر في البرلمان يتناسب مع حجمها في هذه المرحلة.
اما اشتراط الحصول على نصف المقاعد في قائمة وطنية فهو بمثابة النصف الضامن في البرلمان لسيطرة حزب واحد كبير على الدولة، ليس انطلاقاً من وزن ذلك الحزب في الساحة الاردنية، بل استناداً لطموحات ذلك الحزب في ضوء انتصارات احزاب دينية اخرى في المنطقة.
والملفت ان هذا المطلب اقترن بمطلب الغاء صيغة تعيين مجلس الاعيان اي اسقاط كافة آليات الدفاع السياسي التي قام عليها النظام الاردني والتي تحدث التوازن في التشريع والقرار الوطني.
ما تطلبه الحركة الاسلامية وحلفاؤها اليوم، سبق وان طالبت بمثله، الشخصيات التي طرحت مشروع الاتحاد الوطني في منتصف السبعينات، اي انشاء حزب وطني كبير يسيطر على الدولة الاردنية وكان رد الملك حسين-رحمه الله-يُريدون أن أحَكِمهم في رقاب العباد وهذا ما لا اوافق عليه، وانتهى المشروع عند ذلك.
نقطة ضعف مشروع النصف الضامن في البرلمان انه يُحكّم القلة، في هذه المرحلة في مصير الاكثرية، ليس لأنها الاغلبية في الشعب ولكن لأن الحزب الذي يطرح الفكرة يمثل اغلبية القلة الحزبية القائمة حالياً مما جعله يعتقد انه ما دام يشكل الاغلبية في الساحة الحزبية المحدودة, فله ان يعامل كممثل الاغلبية في الشعب وهذا بعيد عن الواقع.
قد تستطيع الاحزاب، وهذا هو الهدف المؤمل، مستقبلاً مضاعفة حجم حضورها تدريجياً في الشارع الاردني، والبرلمان بعد عدة دورات برلمانية، وفي اجواء تترسخ فيها الديمقراطية، اذا أحسنت الاحزاب الأداء، ووضعت البرامج المناسبة, عندها تحوز الاحزاب السبق ليس من خلال كوتا موسعة مفروضة بسبب اضطراب الاوضاع في المنطقة ولكن من خلال نضال حزبي وانتشار حقيقي وخدمة عامة موصولة في المجتمع الاردني, عندها تكبر حصة الاحزاب بقوة المجتمع وخياراته الحرة وليس بفعل ضعف الحكومات وخضوعها للضغط في هذه المرحلة.
التحدي الاجتماعي الحقيقي في الاردن يكمن في كيفية تحفيز وتنظيم أكبر المكونات الاجتماعية وفق مرجعيات وخيارات سليمة وصيغ منظمة تطور مشاركتها السياسية لتأخذ دورها المناسب في الساحة الاردنية ولهذا حديث اخر.
اما السؤال المركزي في هذه المرحلة فهو كيف نصل الى نقطة التوازن التي لا تجعل الطموح السياسي المبالغ به لبعض القوى السياسية سببا في تجاهل الواقع الاردني أو اثارة القلق الاجتماعي ولا تجعل من الواقع الاجتماعي الذي لا يخلو من السلبيات سببا في اجهاض طموحنا الوطني في الاصلاح والتقدم الديمقراطي.