هل سيحـدث..؟

شهدت الانتخابات النيابية الأخيرة عزوف كثير من النخب والقيادات الاجتماعية المؤثرة عن ترشيح أنفسهم لمجلس النواب، وليس هذا بجديد في ظل انسحاب كثير من المثقفين الحقيقيين في ذلك الوقت من الحياة السياسية العامة لأسباب كثيرة. وكما هو معلوم فإنّ هذا ما ساد في السنوات الماضية أيضا، ولكن الجديد أن ذلك السكون الذي كان يبدو على السطح في تلك الأيام، لم يكن يمثل حقيقة الحال!.
فالناس الذين اعتادوا على الصمت هل سيبقى الصمت خيارهم في ظل نشوء جيل جديد يعرف أهدافه ولا يخجل من شيء في سبيل تحقيقها، وفي ظل تغير المفاهيم والضوابط الاجتماعية، وسيادة البطالة والعنف والركود والتضخم وغلاء الأسعار؟ مع تزايد حاجة الأفراد إلى تقوية الذات للانتصار لقضاياهم الخاصة، بالعودة إلى الائتلاف العشائري، وتنامي الحاجة لعقد تحالفات مع قوى ثقافية وسياسية واقتصادية لتقوم بالدور المأمول منها في ظل أزمة تنظيم اجتماعي وغياب العدالة وتكافؤ الفرص وفي ظل بحث كثيرين أيضا عن أدوار يشعرون أنهم أحق بها من غيرهم؟.
فهل نقرأ المشهد، ونبدأ بإزاحة الرماد عن الجمر، لنشخص مشكلاتنا ونعالجها قبل استفحالها؟ أم سنبقى نظن أن كل شيء على ما يرام، ونروج أن الرضا صفة عامة؟
لقد صوّت الناس لرجال المال والأعمال في دوائر كثيرة في الانتخابات الأخيرة، ومن الواضح أن إخفاق رجال الأعمال ورجال المال في تحقيق طموحات الشارع ورؤاه بعد أن تم إيصالهم إلى السلطة، دفع الناس هذه المرة نحو خيارات أخرى من بينها إنشاء الأحزاب واللجان الشعبية والهيئات الخاصة، وتكوينها والانتساب إليها، واستقطاب الكفاءات للمشاركة فيها. ولعل الحراكات والاعتصامات مظاهر لهذا كله. والتفكير بالمصالح والوصول إلى الأهداف سيجعل التركيز على النتائج مهما وجوهريا في هذا السياق.
إذ لم يعد كثيرون يرغبون اليوم بدور المتفرجين، خاصة مع إيمانهم بامتلاك القدرة على إحداث فرق في مجتمعاتهم وعلى مستوى العمل العام، ومع تطور وسائل الاتصال نجد أن هناك في كل لحظة من يبحث عن حل لمشكلته، خاصة حين تكون جزءا من مشاكل عامة، ويدعو الناس لاقتراح حلول وبدائل لها ويقدم استعداده للمبادرة والمشاركة من أجل إحداث التأثير الذي يدفع نحو خلق حالة من التوازن في كل شيء والمساهمة في الوصول إلى حل. ويحمل هذا مؤشرات على نمو وعي سياسي شبابي، وحاجة اجتماعية لدى الناس لتنظيم أنفسهم في أحزاب وهيئات يكون الهم العام شغلها الأساسي، مما يرجح تصويت الناس نتيجة الظروف الصعبة لصالح الأحزاب في الدورة البرلمانية القادمة بعد التوافق على قانون الانتخاب.
المهم في هذا السياق أن تشهد المرحلة القادمة طروحات إصلاحية حزبية عملية تنتظم شؤون الحياة العامة، وتؤسس لمرحلة جديدة للبرامج فيها قيمة، وقادرة على كسر الجمود وما هو مألوف في الحياة السياسية الأردنية التي تجعل الوصول إلى السلطة بالنسبة لكثيرين هو الغاية القصوى والمبتغى الأخير حيث تتعطل بعد ذلك عجلة الأعمال والمشاركة الفعلية في وضع حلول لمشاكل المجتمع.