اعلامنا الرسمي الى اين؟ الاذاعة والتلفزيون نموذجا
تطالعنا الحكومات (الرشيدة) بين الفينة والأخرى بتغييرات جديدة ومتواصلة في الإعلام خاصة الإذاعي والتلفزيوني ، لا تكاد تبدأ تغييرات حتى تنتهي تغييرات ، ولا يكاد ياتي مدير حتى يذهب مدير ، والاعلام في حالة من الاضطراب الاداري خاصة في ظل اسوأ ظرف يمر به الاردن ، ولذلك فان عمل حكوماتنا فيما يتعلق بالاعلام يشبه ( حراثة الجمال) - اي ان الجمل بعد ان يحرث الارض يدوسها بخفه الكبير فتعود كما كانت قبل حراثتها - ، وعادة ما تطال التغييرات والترويحات وسائل الاعلام الناجحة ، وحراس الاعلام الذين قام الاعلام الاردني على اكتافهم ، وهي خطوات تشكل محاولة لتحريك المياه الراكدة ، وتعكيرها بعد ان كانت صافية ، في وسائل اعلامنا التي تعيش حالة من الفوضى بغياب وزارة مستقلة للاعلام ، ولعدم وجود مرجعية واحدة لاعلامنا ولعدم وجود استراتيجية اعلامية ، ولكثرة المرجعيات ، وكثرة تغيير الادارات . فقد كانت الوزارة هي التي تحكم الفعل الاعلامي في المملكة ، لما له من دور فاعل في النهضة التي يشهدها الاردن ، وعلى الصعيد السياسي لتفسير مفردات جلالة الملك وتوجهات الوطن ، والدفاع عن الاردن امام الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الاردن من وسائل اعلام عربية ومن الاعلام الصهيوني ، ورغم ان معالي وزير الدولة لشؤون الاعلام يقوم وحده بعمل يفوق طاقته الا انه بحاجة الى كادر وجسم اعلامي يساعده في حمل رسالة الاعلام الاردني الى العالم . فقد كان وما زال الاردن مستهدفا ، فقد بدأت حملات العداء للاردن من قبل الصهاينة منذ عام 1921 عندما اصبحت الاردن دولة ، وكانت الاردن في مخططات الصهاينة ضمن اسرائيل الكبرى . ولكن اعلامنا الذي ولد من رحم فكر الثورة العربية الكبرى ومن رحم الحرب العربية الصهيونية عام 1948 كان قادرا على المواجهة ، عصيا على الاختراق ، قادرا على التصدي بالكلمة والصورة ، قويا مقنعا يعرف توجهات جلالة الملك ومنطلقات الاردن . اما اليوم فان اعلامنا عاجز عن الرد والمواجهة ودحض الفرية بالحقيقة ، ورد التهمة بالحقيقة ، والتحريف بالتعريف ، والاكذوبة بالتفنيد ، ولذلك يتعرض الاردن لهذه الهجمة الصهيونية والمتصهينة سواء من دول او اشخاص او محطات اعلامية مغرضة . لقد واجهنا الاعلام الصهيوني 60 عاما ، ونحن الان عاجزون حتى عن معرفة توجهات جلالة سيدنا ملك البلاد الذي يعمل المستحيل لتطوير البلد ، وقد اعطى الاعلام بعدا وقوة لم يشهدها من قبل ، واعطى حرية للاعلام قل نظيرها في انحاء العالم لان سقفها السماء ، ورغم ذلك فان وسائل اعلامنا لا تعرف استراجيات وثوابت وطننا ، الذي اثبت موجودية اغاضت العدو قبل الصديق . نحن بحاجة لعودة مدرستنا الاعلامية العملاقة ، التي خاضت حروب 1948 و1967 و1956 و 1973 ، وحرب الخليج الاولى بعد 1980 و حرب الخليج الثانية 1990 ونجح فيها اعلامنا واثار الدهشة حقا . ولكن اين نحن من الامس ، انني اعلن الموت البطيء لاعلامنا الرسمي ، وعجزه الكامل عن الرد والمواجهة ، وعدم قدرته الارتقاء الى فكر جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم ، واستراتيجية الوطن . وقد كان اعلامنا مدرسة تخرج الاعلاميين المهنيين لكافة الفضائيات ، ولكننا اليوم بحاجة الى اعلام وطني مهني ، قادر على الدفاع عن قضايانا ، ويحمل رسالتنا ، وتوجهات دولتنا ، ولتعرية الذين يصطادون بالماء العكر ، فالاعلام الاسرائيلي، وكل اعلام معاد لوطننا ، يعرف كيف يحرف الحقائق ويحاول ان يقنع بها الاخرين ، ولكن اعلامنا وخاصة التلفزيوني عاجز تماما عن الرد والمواجهة ، كما ان اعلامنا التلفزيوني كان اعلاما مهنيا ، قبل ان ينهار ويذبح على نطع الواسطات والمحسوبيات ، التي جاءت بمدراء اعلاميين ليسوا على قدر المهنة وتحمل المسؤولية ، وعدم القدرة على مواكبة نجاحات الوطن ، وانني لا احمل مسؤولية هذا التردي الاعلامي في الرد على الهجمة الاعلامية الاسرائيلية المتزامنة بالضبط مع حملة تقودها بعض الفضائيات منذ ان خاطب جلالة الملك العالم في حالة اللاسلم واللا حرب، والطرح الموضوعي الذي طرحه جلالة الملك في الكونغرس الامريكي ، الذي خاطب فيه العقل قبل القلب ، وتمكن من خلاله ان يحرك المياه الراكدة للسلام التي لا تريد اسرائيل تحريكها ، لتبقى كما هي لا حرب ولا سلام ، على امل تحقيق طموحات وافكار الكيان الاسرائيلي المحتل العالمية التي دعمها الغرب ، ولهذا فان الحقيقة مرة ، علينا ان نتجرع الحقيقة مهما كانت مرة لنرد على ترهات هؤلاء ، الذبن كان خطاب جلالة الملك احراجا لهم وللعالم المحب للسلام بأسره ، فاين اعلامنا ؟؟ امام هذا التحرك الذي كان يجب ان يواكبه تحرك اعلامي مهني قادر على قراءة المعطيات التي ارادها جلالة الملك والتي تتطلبها المرحلة . وقد وصف دولة الرئيس الاسبق عبد الرؤوف الروابدة اعلامنا الرسمي حين كان رئيسا للوزراء بالمرعوب . نعم فهو اعلام مرعوب خوفا على الكراسي والمنافع والمكتسبات ، فبعض المسؤولين الاعلاميين كان همهم المنافع والمكاسب الشخصية ، وهم بذلك عاجزون عن الارتقاء الى مستوى افكار وتطلعات جلالة الملك المفدى ، الذي علم العالم سحر الكلمة المنطوقة وقدرتها الهائلة على التغيير ، بقامة عالية لن يصل الى مستواها اعلامنا الرسمي بهذه القيادات الت خلقت من رحم الواسطة والارتزاق والتنفيعات لجني المكاسب الشخصية ، على حساب الاعلام الوطني المسؤول . وقد كنت قد نشرت مقالا في الصحف الأردنية ، اثر زيارة دولة الرئيس الأسبق عبد الرؤوف الروابدة لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون بعنوان " الاستنقاع الإداري " وقد استعرت هذا التعبير من دولته ، الذي شخص مرض الإعلام الأردني انذاك . وقد زار دولة الرئيس البخيث هذه المؤسسة بزيارة عمل عام 2007، فكلاهما صاحب دولة ، وكلاهما زار المؤسسة بعد كبوة كبرى في هذا الجهاز الهام ، الذي يشكل صوت وصورة الملك والوطن . هذا الجهاز الذي يشكل جيشا آخر وخطا ثانيا للدفاع عن الوطن . مع فارق أن الكلمة أقوى من الطلقة . فالإعلام هو الصورة الواضحة للوطن ، فمن يعرف مكونات الوطن يستطيع أن يشكل عناصر الإعلام ، ليرتفع البناء الإعلامي الذي يعتبر جسما حيا ، بعينين يشكلان الصورة وشفتين يطلقان الكلمة الحية المعبرة . لقد كانت الإذاعة الأردنية من أوائل الإذاعات العربية الرائدة ، فقد ولدت في ظل غمار الحرب العربية الاسرائلية الاولى حرب عام 1948 ، اذا تمكن جنودنا البواسل بالتعاون مع بعض العاملين العرب في اذاعة القدس تحت الانتداب البريطاني ، بنقل معدات الاذاعة بعيدا عن ميدان القتال الى مدينة رام الله . فانطلقت الإذاعة على الفور من الجزء الهام من فلسطين الذي تمكن جيشنا من انقاذه ، انطلقت الاذاعة باسم " الاذاعة الاردنية الهاشمية من القدس " عام 1948 ، ثم أقيمت إذاعة عمان عام 1956في جبل الحسين، باسم " إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان ، وقد أكد جلالة المغفور له الملك الحسين طيب الله ثراه ، في كلمة عبر أثيرها ؛ على أن انطلاق هذا الصوت العربي الحر سيكون للمنافحة عن حياض الأمة ، ولدفع العاديات عن الوطن. وقد كانت تلتقي موجتا الإذاعتين باسم " إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية من عمان والقدس ،. ثم ما لبث أن افتتح الحسين الباني استوديوهات الإذاعة في أم الحيران وإرسالها المتطور في طريق ناعور عام 1959 . وقد ساهمت الإذاعة منذ فجر عهدها في النهضة العربية ، وحملت مشعل ومبادئ الثورة العربية الكبرى ، وخاضت غمار معارك الأمة إلى جانب الأشقاء في معارك التحرير والاستقلال وفي حروب الامة المصيرية , حتى انه عندما أعطبت إذاعة القاهرة إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956انطلق صوت مصر من أثير عمان معلنا وحدة الهدف والمصير والوقوف في خندق الأمة وبقي كذلك دائما . وفي عام 1969 أعلن الحسين انطلاق التلفزيون ليعزز الصوت بالصورة . ليوضح صورة الأردن بعد أن حاز جيشنا الانتصار في معركة الكرامة عام 1968، واعد للأمة ثقتها بنفسها ، فرفع الحسين صوته الأبي ، قائلا للأمة العربية : اليوم ستسمعون عنا ، وليس منا ، ورفض جلالته وقف إطلاق النار إلى أن يتمكن الجيش الأردني من تحرير آخر ذرة تراب وقف عليها جيش العدو ، وحطم فيها أسطورة الجيش الذي لا يقهر . وفي بداية السبعينات أصبح الإعلام الأردني منارة هدي ومدرسة إعلامية يعتد بها في العالم العربي ، خرجت الأفواج التي حملت مشعل الإعلام في مختلف أصقاع الأرض من شبابنا الذين امتهنوا حرفة استخدام المايكروفون وسحر الكلمة الصادقة . وفي 1974 كان التلفزيون الأردني أول تلفزيون ملون في المنطقة ، مما عزز صورته وأعطاه دفعة إلى الأمام . وكانت محطة الاقمار الارضية في البقعة قد سبقت العالم العربي في الاستقبال الفضائي والنقل الحي ، فكان تلفزيوننا ينقل الينا مباريات محمد على كلاي وسهرات كوكب الشرق ومختلف احداث العالم على الهواء مباشرة ، مما جعل محطتنا تصبح محط الانظارللعرب في كافة اقطارهم ، وحمل تلفزيوننا عبء الإنتاج لأروع الأعمال الدرامية العربية، والبرامج الوثائقية والمنوعة في الوطن العربي، فخرج جيشا من النجوم العرب انطلقوا في بدايتهم الفنية من عمان . وأصبح تلفزيوننا مركزا هاما من مراكز الإنتاج الإعلامي . وقد ارتقى اعلامنا مع الزمن الى ان أصبح محط أنظار العالم بأسره إبان حرب الخليج الثانية . وأصبح المصدر الوحيد الموثوق في العالم للأنباء بكافة أشكالها في تلك الفترة ، فقد كان اعلام دولة يتميز بحرفية خاصة ودقة وموضوعية قل نظيرها . الا ان اذاعتنا وتلفزيوننا خاصة فقدا هذه الموضوعية والحرفية ، في خضم الاستقواء على هذه المؤسسة الاعلامية ، واستقدام مدراء من خارجها في فترات سابقة هبطوا بالمظلات الى ارضية لم يألفوها وجو لم يعتادوا عليه . وقد جاء تشكيل مجلس ادارة لهذه المؤسسة ليصبح " القشة التي قصمت ظهر البعير" ، ففاقد الشيء لا يعطيه ، فمن اين لهؤلاء الذين عينوا من مختلف القطاعات ان يتعرفوا على خبايا العمل الحرفي في هذه المؤسسة ، وهم لا يدخلوها الا يوم الاجتماع المسائي ، ولا يلتقوا الا مع الادارة التنفيذية ؟؟؟ . فقد اصبح اهتمام مجلس الادارة منصبا على الشكليات والمتابعات الادارية فقط ، ليكون مصيرها الحفظ والنسيان ، ما لم يتبناها المدير العام التنفيذي ، الذي اصبح يمارس ديكتاتورية قل نظيرها ، حتى ان احدهم استغنى عن ثلث الكادر الوظيفي المؤهل باخراجهم من المؤسسة ، فاصبحت خاوية الا من التعيينات التنفيعية على ما كان يسمى بالفئة الرابعة ، واصبحت الهبات والعطايا هي السمة الغالبة في هذه المؤسسة ، على منوال : (أعطه ألفا يا فتى ... وزده ألفا أخرى )، فضاع الإعلام الحرفي وفقدت المصداقية ، وعجز اعلامنا التلفزيوني والاذاعي عن الاقناع ، لدخول طاقم من غير المحترفين في صلب العمل ، خاصة وان المسؤولين عجزوا عن ايجاد استراتيجية اعلامية تنسجم مع فكر القائد ، ودور الوطن التاريخي ، ومتطلبات الثقافة والاقتصاد ، في ظل العالم المتغير، إبان انتهاء الحرب الباردة وانهيار النظام الثنائي القطبية ، والتحول نحو عالم الاستقطاب الاحادي والعولمة الثقافية والمعلوماتية ، فلم يستطع هذا الكادر المهني من فهم ما يدور حوله . الى ان جاء من يبيع محطاتنا التلفزيونية الثانية والثالثة ويؤجرها ، في غفلة من الزمن ، كما جاء من الغى محطتنا وقناتنا العربية الاردنية التي كنا نعتز بها ، والتي لم يبق منها الا اسمها المدون الى اليوم على الباب الرئيسي للتلفزيون ، وكذلك الحال اذاعتنا المسماة " البرامج العربية الموجهة من عمان " ، التي كانت تربط الوطن بابنائه في الخارج برابط الانتماء والتواصل مع الوطن ، والتواصل كذلك مع العرب في كل مكان والتي امر جلالة الحسين طيب الله ثراه بانشائها . وقد تمكن الشرفاء في هذه المؤسسة من حمل مشعل استعادتها لدورها ، الا ان سياسة الحكومات بقيت تعمل على استيراد الكفاءات الادارية لمؤسسة الاذاعية والتلفزيون ، والذين لا ينقصهم شيء سوى المعرفة الحقة بهذه المهنة ، وزاد الطين بلة الغاء وزارة الاعلام التي كان وزرائها يتسابقون لصنع استراتيجية اعلامية فاعلة ، وسياسة اعلامية واضحة مبنية على التخطيط ، فاصبح اعلامنا بالغاء الوزارة وتعدد المرجعيات اعلام بلا مرجعية ، تائها يترنح في عالم الفضائيات ، تحكمه عقلية المدراء وبعض رؤساء مجلس الإدارة الذين يعرفون كل شيء ما عدا كنه الاعلام واسلوب ادارته . وقد اثنى كثيرون على الدور التاريخي لإعلامنا ، الذي كان مدرسة عليا لرجال الحكم والعلم والقلم ، والذي خرج رؤساء الوزارات والوزراء ورجالات الدولة والسياسيين والمثقفين . وكانت الأغنية الأردنية معنى من معاني الهوية الوطنية الأردنية . مطالبا دولته أن تستعيد هذه المؤسسة دورها ورسالتها ومكانتها في ظل مجابهة الثقافات وتزاحم الفضائيات . ونستطيع ان نجزم إن صناعة الإعلام مهنة أكثر منها وظيفة عابرة ، فصناعة الكلمة فن من فنون الفكر وشكل من أشكال الثقافة . والعمل الإعلامي اليوم أصبح أصعب بكثير في ظل فيض من المحطات التلفزيونية ، في هذا الفضاء الرحب وهذا التشابك الإعلامي، وهذا التفاوت في الاتجاهات والتلاقح الحضاري والتمازج الفكري والتنوع الاعلامي والمدارس الاعلامية المستحدثة . والسؤال هو أين نحن في هذا البحر الذي لا ساحل له ؟؟ . فهل استعدت إذاعتنا وتلفزيوننا لمواجهة هذه الأمواج العاتية ؟؟ . والان 2015 اين نحن ؟؟؟ لقد أصيبت مؤسستنا الإذاعية والتلفزيونية بالجمود ، لا بل بالتراجع خاصة من الناحية الادارية والمهنية مع اضاءات هنا وهناك خاصة الخطوة الجيدة التي اتت بمدراء لمحطتي الاذاعة والتلفزيون من رحم المؤسسة التي هي احوج ان تتمكن من فهم مسارنا الاعلامي المواكب لمسارنا السياسي المركزي الهام في ظل معركة المصير الاعلامية التي تخوضها اجهزة الاعلام في عالم اليوم ، في ظل فقدان شخصيتنا الإعلامية الوطنية ، وعدم وجود إستراتيجية إعلامية بعيدة المدى . ترتكز على فكر مليكنا الشاب المتألق الذي سبق عصره في بعد النظر ، والذي أذهل العالم بقيادته الواعدة المتطلعة للغد المشرق ، وحيويته وحركته المستمرة ، التي أثمرت تقدما ورفعة لأردننا الحبيب ، إلى أن أصبح الأردن بفضل جلالته محج المستثمرين ، ومهوى أفئدة الزائرين ، والموطن الآمن والمستقر للباحثين عن الأمن والأمان ، في حمى أبي الحسين وعرين الهاشميين العظام .