الحوار لمصلحة الجميع
يعتبر الحوار كما هو معروف أحد الأساليب الديمقراطية الحضارية الذي يتم اللجوء اليه وفقاً لضوابط معينة لحل الإشكاليات المطروحة وتجاوز العقبات وتذليل الصعاب بين مجموعة من الأطراف مهما كان مصدرها ومرجعيتها، وجلوسهم إلى مائدة التشاور وبحث ما هم فيه مختلفون وذلك بُغية الوصول إلى تفاهمات وتسويات للقضايا المختلف عليها. وإذا كان من حق كل طرف أن يبادر بالدعوة إلى الحوار مع ما تمنحه تلك الدعوة من مكاسب من بينها مثلاً اثبات حسن النوايا وصدقها امام الرأي العام فإن المعارضة بكل أطيافها هي في الغالب من يبادر بالدعوة إلى الحوار، فتحقق من وراء ذلك تسليط الضوء على برامجها وسياساتها البديلة المقترحة، بُغية الوصول إلى حلول متفق عليها بما فيها القضايا الكبرى التي يطرحها التغيير المنشود. ومن هذا المنطلق فإن الأردن يواجه منعطفاً تاريخياً وتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة للغاية تحتاج إلى إرادة قوية وموقف شجاع من كافة أبناء هذا الوطن لحوار وطني توافقي حول مجمل القضايا الوطنية ليعد بذلك اطار توافقي لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة يضمن جملة من الاصلاحات الدستورية تشمل المؤسسات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية لتتوافق مع روح العصر الحديث وما تنتابه من متغيرات عديدة واهمها ما يسمى بالربيع العربي.
والحوار ليس غريباً على القاموس السياسي الأردني فنحن إذا نظرنا إلى تاريخنا نجد انه قد جرت حوارات وطنية جادة أضفت إلى استقلال البلاد وحققت التنمية وصانت الوحدة الوطنية، فقد اثبتت التجارب ميل الأردنيين إلى الحوار والتفاهم انطلاقاً من عدة مؤشرات يأتي على رأسها العامل الديني والتركيبة الاجتماعية والثقافة المشتركة للمجتمع الأردني ، ويؤكد خيارهم للحوار كأسلوب حضاري لسدّ الثغرات وتضيق الهوة القائمة بين مؤسسات وأركان الدولة الأردنية ، وخير دليل على ذلك مؤتمر أم قيس الذي عُقد عام 1920 والذي أسس لقيام إمارة شرق الأردن ورسم ملامح الدولة الأردنية، وكذلك المؤتمر الوطني الأردني الأول الذي عُقد عام 1928 والذي جاء نتيجة نضال وطني من قبل عدد كبير من الشخصيات العشائرية والوطنية في الأردن فكان دليلاً واضحاً على الوعي المبكر لدى المواطن الأردني بواجبه الوطني والقومي، وقد انبثق عن هذا المؤتمر عدة قرارات كان أهمها رفض الوصاية الخارجية على الأردن والتأكيد على مبدأ العدالة في الضرائب وعلى حماية وصيانة المال العام ورفض للمشروع الصهيوني، وأهم ما تضمنه هذه المؤتمر هو التأكيد على العقد السياسي بين الهاشميين والأردنيين ، والذي يقوم على الملكية الدستورية وحياة نيابية حقيقية لها دور فاعل في تقرير السياسات العامة والتشريعات التي تهم مستقبل الوطن والمواطن، ثم مروراً بالميثاق الوطني الذي دعى له الملك الحسين رحمه الله وانتهاءً بالأجندة الوطنية التي أسست لمرحلة انتقالية غاية في الأهمية لهذا الوطن ولا ادري لماذا تم تجاوزها والتحفظ على ما جاءت به من سياسات وإجراءات وتشريعات وأنظمة كان من الممكن الاستفادة منها خلال هذه المرحلة . وأتساءل هنا لماذا رغم حصيلة كل هذه الحقب الغنية بالعبر غائبة عن وسائل وأذهان القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية في الأردن . رغم ذلك فإن الدعوة إلى حوار غير مشروط ودون ضغوط ولا محاذير أو خطوط حمراء ولا مزايدات، حوار جديّ يضع أسساً سياسية وقانونية ودستورية لتحديث النظام بكل أركانه، حواراً يفضي إلى إصلاحات تمس أدوار المؤسسات التنفيذية والتشريعية والرقابية، ولعل أكبر الأولويات المطروحة لهذا الحوار تشكيل حكومة وطنية قوية ورشيدة تقوم بمعالجة قضايا التنمية بكل إرادة ونزاهة وصيانة المال العام ومحاربة الفساد وإعادة الأموال المنهوبة من طرف فئة أمنّها الناس على مصالحه بالرضا أو بالإكراه فاختارت هذه الفئة خدمة نفسها على حساب وطنها، كذلك استرداد جميع ما نُهب خلال العقود الأخيرة وما أكثره وأوضحه، ومعالجة جيوب الفقر والبطالة ورفع مستوى التعليم والصحة وضرورة مشاركة الشباب والنساء في عملية اتخاذ القرار بصفة حقيقية بعيداً عن التزييف والتحريف وحل مشكلة التمثيل النيابي بصفة عادلة وديمقراطية من خلال وضع قوانين تتماشى مع روح الديمقراطية وعصرنة الحاضر.
كما أنه ينبغي لخيرات هذا البلد أن تعود لجميع أبناءه وفقاً لمعادلة متوازنة وحكيمة، وهنا أجد أنه رغم اختلاف المواقف وزوايا النظر وتنوع فسيفساء التكوين للمجتمع الأردني إلا أن الحوار ومن بعده الاتفاق يجعل من تحقيق المصلحة الوطنية هدفاً للانطلاق ولبنة قوية لتأسيس مستقبل واعدٍ لبلدنا والله من وراء القصد.