مأساة الشيطان

انا نفسي كنت احد المحامين عن الشيطان وترافعت عنه في عدة مرات قبل نحو خمسة اعوام وتركت هذه المهنة المهينة ، والشيطان هناك هي الدولة التي تمت شيطنتها رغما عنها ليس لانها بالفعل كذلك بل لان فرسانا دميمي السحنة والضمائر اعتلوا صهوة المواقع الرئيسية فيها فافسدوا القرار وخربوا الديار ولم يصابوا باي كدر فيما تحملت الدولة سوء افعالهم حتى غدت في نظر اهلها كالشيطان وهي ليست كذلك.
الى اليوم لا تزال الاقلام التي ادمنت الدفاع عن الباطل تحاول جاهدة ان تمارس ذات الدور فهذا يتباكى على السمعة العامة جراء الاكثار من الحديث عن الفساد وهو اس الفساد والافساد على الاقل للذوق العام وذاك يترافع عن الخصخصة التي لم يتمكن من الدفاع عنها حتى اولئك الذين اتخذوا قرارها لانها ببساطة ليست خصخصة بهدف ترشيق الادارة وتوفير الموارد وتعظيم المكاسب بل عمليات بيع مشوشة وباسعار فيها ظلم كبير للمالك الاصلي (الشعب) ولا تخلو في بعضها من فساد صريح لا يقبل اللبس.
نعم هناك حرية تعبير تسمح للافراد العاديين وقادة الرأي ان يدلوا بدلائهم حتى وان كان بعضها مثقوبا ومن حق هؤلاء ان يجتهدوا ويخطئوا لكن ان يجري تزوير الحقائق بحجة النظرة المغايرة والموضوعية و «الشجاعة» المفضية الى الدفاع عن الخراب فهو امر غير مقبول..
لا احد ينكر ان الخصحصة كانت اتجاها عالميا مطلع الثمانينات جربت في المملكة المتحدة ووجهت بغضب شعبي غير مسبوق وانفجرت القنبلة الشعبية في وجه المرأة الحديدية مارغريت تاتشر ثم تبعتها امم اخرى الى ان غدت الخصخصة اتجاها عالميا (راسماليا) يتم تضمينها في وصفات الصناديق الدولية.
ونعلم اننا في الاردن كنا احدى الدول التي وقعت ضحية الالزام المالي الدولي من قبل صناديق دولية لانتهاج الخصخصة والهدف ترشيق المؤسسات والشركات المملوكة للدولة وبيع جزء من اصولها واستيراد تكنولوجيا جديدة واساليب ادارية جديدة لتعظيم الفوائد واستثمار عوائدها في تنمية اجتماعية تلغي الاثار الضارة للخصخصة ..
وبالرغم من التحفظ الايدولوجي على هذا الاتجاه ومعرفتنا الاكيدة انه لن يحل المشكلة الاقتصادية الا اننا كنا ننتظر ان تجري عمليات الخصخصة وفق اسس شفافة وعملية تبقي حصص الدولة في اوسع نطاق ممكن مقابل تحديث المؤسسات والشركات لكن الذي جرى هو عمليات بيع بلا ضمير يسبقها عادة تلاعب مقصود باسعار الاسهم وصولا الى تشليح الدولة من امكانياتها المادية والمالية وجعلها مغلولة اليد عن الاسهام في احداث التنمية المطلوبة.
لا احد يحترم عقل القارئ يستطيع الدفاع عن الخصخصة الان حتى ولو تمت على ارقى الاسس شفافية لان حكومة الدولة الاعظم اعادت شراء القطاع المصرفي او بعض اصوله وملكتها للدولة كجزء من برنامج حل معضلة اقتصادية.
في المقابل فاننا هنا – اقصد بعضنا – لا يزال يدافع عن الخصخصة وكأنها خيار الصفر...
اعلم ان الفاسد يدافع عن الفاسد وهذه قاعدة ليست فاسدة لكن اقول للمؤمنين بالخصخصة لماذا لا تنتقدون الياتها الفاسدة التي الحقت بنا كارثة اقتصادية.. لنسلم جدلا ان لا مناص في حقبة ما من الخصخصة وتمت بصورة مشوهة فلماذا لا نركز سهام نقدنا على الاسس الفاسدة التي تمت بها حتى لو كنا مؤمنين بها ..
ببساطة مللنا من كثرة محامي الشيطان والشيطان هنا هو الضحية.